ربابة


ربابة



في مجلس شمالي وقدراً بلا أي تخطيط مسبق وبعد عشاء دسم جداً عند رجل كريم جداً جابر العنزي بمنطقة كريمة جداً يتسابق أهلها مرحبين بكل زائر لمنطقة الجوف كانت أمسيتنا في ليلة من ليالي الشتاء الشمالي الباردة جدا والدافئة شعوراً ومشاعراً
بقرب شبة نار شمالية داخل خيمة تراثية أخذت شهرة في المنطقة الشمالية وبدأت تتغلل الى العاصمة الرياض والمناطق الوسطى بقيادة صانعها ومبتكر طريقتها الجميلة المناسبة للقصور والفلل المهندس الجوفي موسى القاضب صاحب القبة الشتوية
كانت جلستنا لتناول شاي المخدار الشمالي المحمّل بالحرية فمُحضِّره لايجبرك على كمية سُكّر معينة ، إنما يترك لك الحرية بأخذ الكمية التي تناسبك بعد أن يأخذ ورق الشاي وقته الكافي ليمتزج بالماء،
وكعادة أهل الكرم الشمالي تكون كمية أوراق الشاي الخشنة كافيه لتغيير لون الماء الى الاسود
بهذه الأجواء الفخمة كفخامة قلعة مارد والشامخة كشموخ زعبل والدافئة شعوراً كدفأ مسجد عمر
تناول شاب نحيل الجسم في العشرينات من العمر شنطة من الجلد الأسود فاخرج منها ربابة يبدو عليها جودة الصناعة
ثم بدأ هذا الشاب بالعزف عليها أو مايسميه أهل المعرفة ب(جر الربابة) وعلى الوان متعددة من الأنغام والعزف المتقن وبحكم أن خبرتي بالفن بجميع أنواعه صفرية إلاّ بعضاً مما علق في الذاكرة من دروس الموسيقى بالصفوف الابتدائية من سلّم موسيقي وبعضاً من الذوقيات وحسن الاختيار التي  أزعمها وربما ينطبق عليّ قول القائل فيها(وكلٌ يدعي وصلا بليلى وليلى لاتقر لهم بذاكا)
أخذ هذا الشاب اليافع تنويع العزف من الألم الى الفكاهة إلى الإمتاع وسط تفاعل من الحاضرين بل وترديد بعض الكلمات مع العازف ،
لاأعلم متى كانت آخر مرة حضرت فيها شخص يجر على الربابة لكن المؤكد انها منذ عشرات السنين
فقد كانت هذه الآلة فاكهة المجالس في ليالي السمر لدى كثير من قبائلنا في الشمال زمناً مضى وقد أدركنا أواخر أيامها مع رجال أغلبهم غاب عن دنيانا ولازلنا نتذكر أخلاقياتهم ورجولتهم وصدق حديثهم ومشاعرهم حتى أصبحنا نصفهم بزمن الطيبين،
قال النبي صل الله عليه وسلم: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف» وأعوذ بالله أن أستحل ماحرم الله ولو اقترفته ذنباً فإني ألحقه بتوبة بلاإستحلال
قال الشيخ إبن عثيمين رحمه الله
(الغناء الذي للبادية إذا لم يكن مشتملاً على معازف فإن استماعه جائز بشرط ان لايكون مشتمل على أشياء توجب الفتنة وأن لايصد الإنسان عما يجب عليه وأذا إشتمل على آلات اللهو والمعازف فهو محرم)
رحم الله شيخنا الشيخ محمد الصالح العثيمين
وليس بعد قول الشيخ قول في الحل والتحريم
وأدين الله عز وجل بهذا الحكم كما أدينه بحرمة النظر إلى المرأة المتبرجة وإلى كثير من مقاطع الجوال والصور في القنوات الفضائية والسوشال ميديا وكثير من سلوكياتنا من الغيبة والنميمة والحسد والكذب والنفاق
ولاشك بأن الأحكام تتغير بتغير الزمان والمكان وكثير من العلماء يكون لهم قديم وحديث
لاأبحث عن إباحة المعازف والأغاني ولكن أدعو لمقارنة بين الآثار ومحاولة جمع السلوك في قالب منصف!
نشأت في بيئة ترى وأنا أرى معها ومنذ عشرات السنين وعن قناعة بأن التلفزيون في ديوان الرجال من خوارم المروءة (ومنقود) مروءة وليس شرعاً مع أن تلفزيون الأمس كما يعلم القارئ الكريم ليس كقنوات اليوم من ناحية انضباط العبارة والهيئة والمَشاهد فكيف سيكون الحكم علينا اليوم من أهل مروءة الأمس؟  ونحن نشاهد بعض القنوات العربية اليوم والتي عمّت أغلب المجالس متشددها ومنفتحها وخصوصاً نشراتها الجوية والتي غالباً تقدم من النساء اللاتي تدل ملابسهن على أنهن يقطنّ مناطق إستوائية شديدة الحرارة ولو كانت نشرة الاحوال الجوية للبلاد العربية في شهر يناير المتجمد!
مانشاهده اليوم في مجالس تعتبر محافظة جداً لو شاهده سلفنا في وقتهم لتبرأوا منا وربما لأدّعوا أن جدنا العاشر الذي يجمعنا معهم كان قادماً من روسيا وليس له علاقة بالعرب أو الإسلام ويرد عليهم لسان حال الزمن قائلاً إن أخطاء البشر يرقق بعضها بعضا!
عودا على ذلك الشاب  النحيل وقوسه  النحيل الذاهب الآتي بكل مشاعر الحزن وهو يأخذنا إلى عالم آخر
سقى غيث الحيا مزنٍ تهاما
على قبر بتلعات الحجازي
يعط به البختري والخزاما
وترتع فيه طفلات الجوازي
وغَنَّت رَاعْبيّات الحماما
على ذيك المشاريف النّوازي
صلاة الله مني والسلاما
على من فيه بالغفران فازي
اللهم صل على سيدنا وشفيعنا محمد
لاتكاد تخطأ عينيك الحزن الذي إرتسم على وجوه الحاضرين وهم يسمعون جرة الربابة مصاحبة لهذه الكلمات وكأنهم يقدمون واجب العزاء للشاعر محمد بن حمد بن لعبون بزوجته رحمها الله التي أحبها وهام بها وعاملها بقسوة زمانه الذي كان فيه الرجل  يخجل من إظهار حبه لزوجته ومن يحب بعكس زماننا الذي انتقلنا فيه الى النقيض و تجاوزنا بالتعبير حتي أصبحنا نخجل من مبالغة بعض الرجال  لبعضهم بالتعبير عن المشاعر  حتى وصل بنا الحال لاستخدام العبارات الانثوية ك (ياحياتي وفديتك) وماهو موغل في الرومانسية الذي لايليق استخدامه بين الرجال !
لاتعتـذر مـال للهجـر منـك تبـريـر
صـدك بليـا ذنــب والله ظليـمـه
ماصارلـي بعـدك يفـوق أي تصويـر
تجـددت كـل الجـروح القديـمـه
ماغيـر أسلـي خاطـري بالمشـاويـر
أروح وأرجـع والهواجـس مقيمة
وإن كانهـا عنـي خـذتـك المقـاديـر
فالعفـو عنـد المقـدره فيـه شيمـه
زادنا هذا الشاب النحيل من الغزل والوجد والفخر وأكلمها بالفكاهة وحتى لايطول المقال أترك للقارئ الكريم أن يعيش مع هذه الأجواء الشمالية
وأعود إلى (القالب المنصف) الذي ذكرته في بداية المقال والذي وإن كان الحكم فيه بتحريم المعازف شرعاً لكن حتى هذا التحريم أراه درجات
فغناء يؤدي إلى رقصات ماجنة وحركات خليعة وسلوكيات فوضوية ومرفوضة ديناً وخلقاً وأدباً وكلمات تعبث بالغرائز وتركز على الشهوة ومكتوبة من منحرف أو شاعر من بيئة مختلفة ديناً وخلقا وسلوكاً او شاذ من بلاد تشجع على الشذوذ  لا أشك بانه يختلف عن جرة ربابة تجعل الحاضرين يتجاهلون وسائل تواصلهم التي ما إن يلجوا إليها حتى تمطرهم صور وهشتاقات يندى لها الجبين ويقتطعون هذا الوقت لسماع جرة ربابة أقول لاأشك بانها أخف ذنباً مما يرون في جوالاتهم ، وبكلمات تحث على مكارم الاخلاق والشيم والقيم العربية والاسلامية الاصيلة بل ويسكن المجلس وينضبط ويقل الكلام والإلتفات والحركة ويتم التركيز على نغمة القوس النحيل وعبارات المؤدي التي تحث على مكارم الأخلاق
مماقلت (أقصى اليمين كأقصى الشمال بُعداً عن الوسط)
والله من وراء القصد
فرحان الذعذاع


أضف تعليقاً