فساهم فكان من المدحضين


فساهم فكان من المدحضين



«وإن يونس لمن المرسلين، إذ أبق إلى الفلك المشحون، فساهم فكان من المدحضين، فالتقمه الحوت وهو مليم». (ساهم فكان من المدحضين أي: المغلوبين وذلك أن السفينة لعبت بها الأمواج من كل جانب، وأشرفوا على الغرق، فساهموا على من تقع عليه القرعة يلقى في البحر، لتخف بهم السفينة، فوقعت القرعة على نبي الله يونس، عليه السلام ثلاث مرات، وهم يضنون به أن يلقى من بينهم وأمر الله تعالى حوتا أن يشق البحار، وأن يلتقم، يونس – عليه السلام – فلا يهشم له لحما، ولا يكسر له عظما . فجاء ذلك الحوت والتقم يونس عليه السلام «فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون).

لم يتعهد الله جل جلاله بحفظ هذا القرآن من التحريف حتى نحفظه ونردده بألسنتنا فحسب، إنما لنجعله أيضا مفتاحا لكل شيء في الحياة ومرجعا لكل تفسير وتحرير. هذه القصة العظيمة لهذا النبي العظيم فيها من العبر ما يتكشف مع مرور الزمن.

تحدثت السورة عن قصة أهل نينوى من بلاد الموصل مع نبيهم يونس عليه السلام، وتوسع المفسرون في هذه القصة العجيبة التي لم يحدث مثلها قط في التاريخ، وأتى المفسرون على كل التفاصيل.

لكن ما لفت انتباهي: أن الله عز وجل لم يثرب ولم يعنف أو يلم أو يتوعد أصحاب السفينة الذي ألقوا بيونس عليه السلام في البحر أو سمحوا له بإلقاء نفسه نتيجة لقرعتهم! بل لم يتعرضهم أهل التفسير بشيء من الوصف السيئ أو الذم! مع أن تصرفهم كانت نتيجته المفترضة قتل نبي من أنبياء الله بإلقائه في البحر، وكانت النتيجة الحتمية لهذا الفعل هي الغرق والموت.

بل الأمر أعجب من ذلك! هؤلاء المستهمون فيهم من الخيرية التي أشار لها المفسرون بقولهم إنه كلما وقعت عليه القرعة رفضوها ضنا بنبي الله يونس (حرصا أن يكون أحدا غيره)، حتى تكرر هذا الأمر ثلاث مرات.

هذه الخيرية لأصحاب الفعل الظاهر أنه جريمة كبرى وهو المشاركة (بقتل نبي من أنبياء الله) وتنازل عن ثابت من ثوابت الأخلاق والقيم لدى جميع الأديان والحضارات، وهو (حق الحياة)، لم ندركها لولا أنها قرآن يتلى إلى يوم الدين.

من دروس السفينة: أنه مهما بدا لنا من سلوكيات وتصرفات نراها خاطئة ومخالفة للدين والمبادئ ومهما بدا من أمور نراها تنازلا عن أوثق قيم العدالة والثوابت؛ إن لم نحط بكل تفاصيلها فإنه من الظلم الحكم عليها أو الخوض فيها.

بل لو أدركنا كل تفاصليها فإن الله عز وجل مع هذا الإدراك قد أعفانا من تحمل مسؤولية البت فيها وأمرنا بالرجوع إلى آخرين هم المسؤولون والمتحملون لهذا الاجتهاد الذي منحهم الله الأجر عليه إن أخطؤوا والأجرين إن أصابوا بصدق نية وحسن اجتهاد.

لو شاهدت مثل هذا الموقف قناة الجزيرة وأخواتها لما ترددت في تصوير وإنتاج أفلام وثائقية عن جريمة أصحاب السفينة التي ارتكبوها بحق النبي يونس عليه السلام، ولما ترددت في إظهار صورهم فردا فردا على أنهم القتلة المجرمون الكفار الخارجون عن الدين والإنسانية، والضاربين بأبسط حقوق الإنسان وهي (الحياة) عرض البحر!

ولو كانت السوشال ميديا ومرتادوها حاضرين تلك الحقبة لرأيت العجب من صور وتفسيرات وأحداث ونسج قصص لا يعلم عنها حتى النبي يونس نفسه! بل سيخرج لنا من المغردين والكتاب من يدعي أنه أخ للنبي يونس وآخر بأنه صاحب السفينة التي استأجرها منه هؤلاء المجرمون الظالمون، بل ستخرج لنا وثائق من أيام سيدنا نوح بأن هذه السفينة هي مملوكة (لآل فلان)، وردت إليهم ورثا بعد الطوفان، حيث إنه بعد الطوفان أصبح لكل بدوي يرعى الإبل في الصحراء سفينة خاصة خوفا من تكرار الطوفان، ومن هذه القصص.

عندما أدرك قبطان تلك السفينة وأفرادها الغرق تخلصوا من حمولتهم، وعندما هاج البحر وكاد أن يُقضى عليهم جميعا وعلى سفينتهم كان من الحكمة والعقل والعدل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الركاب، فكان التنازل عن بعض الثوابت وسيلة لحفظ الأنفس، وطريقا لحفظ بقية الثوابت بدل ذهابها كاملة، وكان هو الحل بسبب هذا الموج الذي لن يبقي ولن يذر لو تمكن من السفينة.

على ظهر هذه السفينة كان الإنصاف والعدل ظاهرا في سفينة العدل فكانت المساهمة التي رفضها القبطان وأصحاب السفينة ثلاثا، ضنا بنبي الله يونس! في مثل هذه الظروف المصيرية والأمواج العاتية ولك أن تتخيل أحوال ركاب السفينة بمثل هذه الأجواء المشحونة بالتوتر خوفا على المصير، سفينة تعبث بها الأمواج وتتقاذفها من كل حدب وصوب، وأصحاب السفينة مضطربون متوترون موشكون على الهلاك، ويشاهدون الموت يتخطفهم؛ مع ذلك حافظ القبطان وأفراد السفينة على اتزانهم وجمعوا كلمتهم وتصرفوا بحكمة وعدل واجتماع للكلمة والاتفاق على الاستهام واختيار المضحي الذي سينقذ السفينة وركابها!

كانت المساهمة حتى لا يظلم فقير ولا يجامل غني وحتى لا يُتخلص من ضعيف لمصلحة قوي! لأنهم علموا أن مصيرهم جميعا واحد، وبقاءهم من عدمه متوقف على اتفاقهم وعدم تنازعهم، ولو تنازلوا عن قيمة مهمة في حياتهم!

عندما يتنازل القبطان وأفراد السفينة في مثل هذه الأوضاع والظروف عن بعض قيمهم وثوابتهم، بهدف المحافظة على حياة المتواجدين على ظهر السفينة؛ هنا تكمن الحكمة والعدل والإنصاف، فكانت الحكمة بارتكاب أخف الضررين.

أنجى الله سيدنا يونس بمعجزة ليس لها مثيل، إذ التقمه الحوت، وأنجى أصحاب السفينة رغم عملهم الذي يعتبر جريمة في الظروف العادية، وحكمة، بل عدلا، في الظروف الاستثنائية. إذا صلحت النوايا سدد الله العمل، ولو كان ظاهره غير ذلك. والله من وراء القصد.


أضف تعليقاً