النسوية والعواء في البرية


النسوية والعواء في البرية



ولدت الحركة النسوية وترعرعت وكبرت في المجتمعات الغربية، مرت ولادتها المتعسرة بمراحل تاريخية، بدأت بداية بسيطة كحركة احتجاجية على الظلم الاقتصادي الذي تعيشه النساء العاملات في الغرب حين تم اجتذاب النساء لآلة العمل الطاحنة في ظل ظروف مأساوية بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى لموت كثير من الرجال في تلك الحرب، ومن ثم توسعت لنيل الحقوق السياسية خاصة الحق في الاقتراع وذلك لتعزيز الحقوق الاقتصادية، انتهاء بالمطالبة بالمساواة المطلقة بلا أي ضوابط، تلك التي تنتهي بإلغاء الذكورة والأنوثة حتى تتحقق تلك المساواة بإعلان “الجِنّدر” (النوع الإنساني الجديد الذي لا يعترف بالذكورة والأنوثة).

يمكن اعتبار بذور الحركة النسوية بدأت من أمريكا على يد (سارة دوجلاس) عام 1833م بتأسيس الجمعية النسائية المناهضة للعبودية كحركة مناهضة لأشكال التمييز العنصري ضد المرأة في تلك الفترة فكانت شرارة لعدد من الحركات وجمعيات والنقابات وإصدار المجلات النسائية المعبرة عن طموحات المرأة في المساواة مع الرجل في الأجر، وعرفت أول حركة للمنظمات النسائية باسم FEMINISM أو الحركة النسوية المماثلة في أغلب بلدان العالم.

فكرة النسوية باختصار تقوم على فكرة المساواة المطلقة دون وضع أي اعتبار لأية فروق جسدية كانت أو نفسية أو اجتماعية مع جنس الرجال، المساواة المطلقة بالرجل دون أي ضوابط وبِحرية مطلقة، ولا ترى بوجود دليل علمي يساوي بين المختلفين بصورة مطلقة، خرجت كردة فعل عنيفة على ظلم وتهميش النساء في فترات تاريخية معينة وفي بيئات جغرافية محددة غربية، تُمثل مظاهر الظلم والاضطهاد التي تعرضت لها المرأة في تلك الثقافات بناءً على ما صوره التراث الديني اليهودي والمسيحي المنحرف وفلاسفتهم في القرون المظلمة، بأنها أصل الخطيئة؛ لأنها هي التي أغرت آدم عندما أكلت من الشجرة كما هو منصوص عليه في كتبهم الدينية المحرفة، وما وصمها الفلاسفة المتأخرين (کانت) الذي يصف المرأة بأنها ضعيفة في قدراتها العقلية، وكذا فيلسوف الثورة الفرنسية (جون جاك روسو) إذ يقول: (إن المرأة وجدت من أجل الجنس ومن أجل الإنجاب فقط)، وما جاء به العالم (فرويد) رائد مدرسة التحليل النفسي لا يختلف عن سابقيه في تحقير المرأة والانتقاص منها بأنها جنس ناقص لا يمكن أن يصل إلى الرجل أو أن تكون قريبة منه.

وبناءً على تلك الصورة التي شكلت منطلقاً لظلمها واضطهادها ارتأت الحل الوحيد في التخلي نهائياً عن تلك المنطلقات وطمس تلك الصور التي كونت هذه النظرة ضدها وهي العقائد والأعراف الدينية والفلسفات الذكورية باعتبار أن هذا الوضع للمرأة هو إفراز لتلك النظرة في التراث الديني.

توسعت هذه الحركة وخرجت من أفكارها البدائية للتحول إلى تیار متطرف يطالب بتغيير البنى الاجتماعية والثقافية والعلمية واللغوية والتاريخية باعتبار أنها متحيزة للذكر، وفي داخل هذا التيار نشأت جيوب تدعو إلى دين جديد “الوثنية النسوية” (Femal paganism) أو دين المرأة الجديد الذي يقوم على أساس تأليه المرأة مقابل الأديان الذكورية التي فيها الإله ذكر فلابد للمرأة أن تكون آلهة في الدين الجديد، من مبادئها الأساسية التخلي عن الأنوثة باعتبار أن الأنوثة هي سبب ضعف المرأة وسبب هيمنة الرجل عليها، فالأنوثة تقود إلى الزواج، والزواج يقود إلى الأمومة، والأمومة تقود إلى تكوين الأسرة، ففي كل هذه المراحل تكون المرأة الطرف الأضعف، والرجل يكون الطرف المهيمن.

تعتبر سيمون دي بوفوار الكاتبة الفرنسية الصوت النسوي الأبرز بعد إصدارها كتابها (الجنس الآخر) ابتدعت بوفوار فيه مفهوم “الحب الأصيل” الذي اعتبرته واحداً من أكثر الأدوات قوةً للأفراد الراغبين بالحرية”، إلى جانب عيشها أكثر من 50 سنة في علاقة حب غير تقليدية مع شريكها الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، قررا الثنائي ممارسة الحب دون زواج، بحرية متبادلة وبشرط الشفافية، مرّت هذه العلاقة الطويلة حسب رواية بوفوار بنجاحات وإخفاقات، خصوصاً اعتراف بوفوار في أحيان كثيرة بغيرتها على سارتر، وعن أخبار مغامرتهما الجنسية التي لامست حدود الفضائح في حياتهما الأكاديمية والفكرية. إلا أن علاقة الفيلسوفين ظلّت متينة، حتى دفنت بوفوار في مقبرة مونبارناس إلى جانب سارتر الذي توفي قبلها بست سنوات.

إذن الحركة نشأت وتشكلت وانبثقت من ثقافات وفي مناطق وفكر وظروف تختلف عن فكر وثقافة وظروف المجتمعات الإسلامية، فكيف يمكن استيراد هذا النموذج المتطرف لتطبيقه في مجتمعاتنا الإسلامية دون معرفة جذوره الخبيثة، ففي مجتمعنا السعودي ومع ثورة التقنية وشبكات التوصل الاجتماعي ظهر صوت النسوية على استحياء في البداية حتى أصبح أكثر وضوح مؤخراً من خلال عدد من الدعوات في تلك الشبكات التي أصبحت متاحة للجميع، بطرح أفكار الحركة وتداولها في صور مغلفة حول الحرية المزعومة، حتى ظهرت أكثر جرأة من خلال الأوسمة (هاشتاق) التي تظهر من حين لأخر كوسم (جسدي ملكي) وشعارات (إسقاط الولاية المتكررة) يخوض فيها من يعرف بالحركة ومن لا يعرف، أفرزت هروب الفتيات إلى الدول الغربية تحت حجج التعذيب والاضطهاد من الأسرة، ممثلة العادات والتقاليد الاسرية بالجحيم الذي لابد من الفرار منه، انساق في هذه الموجة العديد من الفتيات اللاتي مثلّن دور تجربة الهروب الناجحة والخلاص من سجن الأب والزوج والأسرة والمجتمع وذلك بسرد قصصهن الخيالية بعد الهروب وتصوير الحياة الفارهة التي يعشنها من خلال قنوات التواصل المرئية.

فمثلاً عقوق الوالدين جريمة كبرى حرمتها كل الشرائع والأديان، والفكر النسوي يحرض على عقوق الوالدين ويسعى لإلغاء تجريمه، وتنادي بإلغاء مصطلح رب الأسرة والعائل الذي يعتبر وجوده عائقاً لتمكين المرآة، وهي تعتبر الزواج والأمومة عائق لتحقيق الطموح والأهداف، فلك أن تتخيل أن أحداهن تقول: (أن ارتفاع نسب الطلاق بالمجتمع دليل وعي النساء بحقوقهن) فماذا بعد ذلك؟

علي الزهراني
طالب دكتوراه علم اجتماع
جامعة القصيم


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *